السبت، 5 ديسمبر 2009

الذبيح

رفعها...ليلمع بريقها فى تلك العيون المترقبة فى سكون وكأن أصحابها تماثيل معبد عتيق صامد منذ قرون كثيرة مضت ويضاعف من هول المشهد حدة الصوت الصادر عنها حين اخترق حدها الهواء..وكأنها سياط ألهبه!! وما كان صوته أقل حدة من صوتها حين صاح فى "صبيه" فى عجل أن يأتى به من الخارج..صيحة اضطربت لها أعناق الجميع لتشرئب.. وتعلقت لصداها أعينهم بالمدخل_ فى انتظار الحدث السنوى الجليل_ بعدما أختفت تلك اللمعة منها حين أخفى الجزار السكين خلف ظهره!!....فما أراح الأعناق من اشرئبابها سوى دخول الصبى جارا "الذبيح" جرا من رقبته التى مازالت فوق رأسه..وما أجدت نفعا محاولاته فى الافلات من قبضة الصبى المحكمة... ........................................... خلف أكمام عباءة أبى...تحصنت بانكماشى...فقد لفنى الرعب من تنبؤى مناوراتٍ شرسة قبل اتمام مهمة الذبح إلا أنى لم أحس حراكا..فمَطَت رأسى فى فضولٍ مرتعش لأرى ما يحدث خلف العباءة!!.... رأيته من خلفها مستكينا قد هدأت ثورته وأرخى قدميه راقدا أمام الجزار!!.... أجلت نظرى فى جسده وعقلى يحدسنى هل سيكون سمينا أم سيكثر منه اللحم!!. ولم يدم فكر البطون هذا كثيرا فقد سرقنى من فكرى ومن تجولات نظراتى فيه تلك النظرة الجنينية فى عينيه...نظرة تنثر ندى الصباح على وجه القلوب وكأنها نظرة طفلٍ لأمه... نظرة تجاهلت كل الحضور ووُجِّهت فقط للجزار!!!! تأملتها...لأسترق من زمانى ومكانى.. ............................................... أغوص فى عينيه فتحملنى الى أعماق نفسه.. أتسلل إلى صندوق عقله لأرى ذكريات جمدت جسدى المتروك خلف عباءة أبى مكانه. .أراه فى مزرعة خضراء..والجميع من أشباهه حوله..يلعب ويلهو معهم الى حين مجىء الجزار..تعجبت لاختلاف ملامح الجزار فى الذكرى عن الحقيقة ولكنى لم أبالى وأكملت تجولى...لقطات متقطعة كانت تمر من عقله متجهة إلى عينيه خالقة تلك النظرة الجنينية البريئة... لقطة والجزار يقدم له الطعام ليشبع فمه به كما اشبع قلبه بتلك النظرات الناطقة بصدق الشغف والحنان..لقطة أخرى يربت على كتفيه حين نطحه أحدهم...وأخرى ينظر اليه من بعييييييييد فى حنو بالغ أسال الدمع حين وصلت تلك اللقطة إلى عينيه...وأخيرا ذكرى ترسم بالألوان لهفة الجزار وحرصه عليه حين ألم به المرض!! ................................................. "اهو ساكت خالص اهه.. كويس مش هيتعبنا معاه" اجتذبتنى كلمات الصبى هذه من رحلات خيالى _الخصب_كما ينعته أبى دوما..فأعود أراقب المشهد المألوف النادر هذا.. وكما رحلت عنه بالدمع عدت اليه أيضا و الدمع مازال يسيل من عينيه إثر الذكرى الأخيرة التى سكنتهما...ولاتزال نظرته الطفولية متعلقة بالجزار ادركت حينها أن الجزار لمح ما يعتمل فى نفس ذبيحه فابتسم لذلك ابتسامة تختلف كثيرا عن مثيلتها فى جولة الخيال السابقة وزاد من اختلافها ماخالطها من بريق السكين المنكشف رويدا من خلف ظهره... رآها صاحب العينين البريئتين....فلم تأخذ من نظرة عينيه سوى شيء من عجبٍ قليل...تلاه بنفضة لرأسه بقرنيها وكأنه ينفض أى سوء ظن خالطه تجاه الجزار..!!!. أما الجزار فكأنه كان يعلم أن ذبيحه لن يُخَوِّنه فأومأ فى خبث إلى صبيه أن أجهز عليه حتى "أذبحه وأخلص"!!!!! .................................................... لايزال الجميع فى سكون كسكون الموت...وأما ما اختلف هى تلك الكلمات المنسوجة مابين جفنيه... تراجعت خطواته للخلف قليلا لييسر على الصبى مهمة تكبيله..وهو مستسلم فى ذهول يطلق من وجهه نظرة قاتلة ميتة لذابحه!!..عينيه تكاد تنخلع من وجهه من فرط جحوظهما..وكأنه ذبح قبل أن يذبح!!...فمه مغلق وكأنه خِيط بخيط سميك خشن متعرج...أذناه بلون الدماء التى قضى أجل سيرانها فى عروقه ابدا...ذرفت عيناى عبرة ألهبت وجنتى حين رأيت مخالب الأسى تنتزع قسمات وجهه من أنياب الذهول..أسى أذاب ملامحه فما أبقى ..يأسٌ تَكَسرله قرنيه ليبكيا جوف السكون...حزن تجعدت به بشرته فى لحظات لتتمرد على قوانين الزمن والسنون...كيانٌ أُحيل قبرا لذاته...وليس لذاك القبر بعد ذبحه قبرا..!! أعدت النظر إلى عينيه..لأجدها غاااااااائرة ككهفٍ هَرِم شُق قبل خلق الكون..وكأن جحوظهما السابق كان طيفا من خيال وهما فى غورهما يرتحلان فى سقم بين صفحات وجوه الجمع المترقب ثم يعاودا المكوث على عينى ذابحه!! أحكم الصبى تكبيله..وأزاحه للأمام حيث جازره..فما تكلف مقاومة ولا آثر امتناع بل مط عنقه ليلقيها فى يد الجزار مقبضا جبينه ليعصر تلك الذكرى حين كان يلقي رأسه بيديه سابقا استقاءا للحنان..لكن تلك القبضة لم تفلح فى اعتصار ذكرى حفرت فى كيانه فأعانها بنفى عينيه بعيدا عنه .. ....................................................................... فاغرٌ فاهى الذى تقدم وجهى بعدة سنتيمترات..ذاهل الفكر..عيناى تتأرجحان مابين الجازر والمجزور _الملقى بعنقه فى خنوع بين كفى الآخر_وفى آخر تأرجحها تسمرت بالأعلى فى وجه الجزار بارد العينين أبغض القسمات ..تسير معه نظراتى حيث السكين ليعيد ذات المشهد الأول برفعها ولطمها للهواء صعودا ثم سقوطا كبرق الليل الموحش المجتذب للعيون.. لتصل إلى بغيتها..ولا أدرى أسبق الوقع تلك الغشية التى غشيتنى أم تلاها ؟!!........... "حمدا لله على سلامتك يا رقيقتى..مش هتجمدى يابنتى شوية بقة..على العموم كل سنة وانتى طيبة...وتعيشى و"تاكلى" غيرها" هكذا قال لى أبى فى حنو يكحله المزاح وهو يمسح على شعرى بعدما أسند كتفى على وسادة سريرى ..ثم أوقد لى الراديو كى يسرى عنى وخرج وعيناى متعلقة بوجهه الحانى إلى أن خرج وأنا واجمة.. لم ينتزعنى من وجومى سوى الصوت الصادر من الراديو "والآن ...مع أغنيه "حب امتلاك" للمطربة جنات" أزحت أناملى فى كلل لتخفض من صوته -لا أدرى هروبا من الذكرى أم اليها -ثم جذبتها لأفترشها وسادة لرأسي المرخاة منكمشة تحت غطائى, مستسلمة لذكرى الأمس وإلحاح الدموع.. ثم أأبى وأهرب من كلاهما بالنوم!!...........................................